أبو علي سينا
115
القانون في الطب ( طبع بيروت )
يظن أنه حار رطب . وتحقيق ذلك بكنهه هو إلى الجزء الطبيعي من الحكمة بل ليسلم أن الربيع معتدل والصيف حار لقرب الشمس من سمت الرؤوس وقوة الشعاع الفائض عنها الذي يتوهم انعكاسه في الصيف ، إما على زوايا حادة جداً ، وإما ناكصاً على أعقابه في الخطوط التي نفذ فيها فيكثف عندها الشعاع . وسبب ذلك في الحقيقة هو أن مسقط شعاع الشمس منه ما هو بمنزلة مخروط السهم من الأسطوانة ، والمخروط كأنه ينفذ من مركز جرم الشمس إلى ما هو محاذيه . ومنه ما هو بمنزلة البسيط والمحيط ، أو المقارب للمحيط وأن قوته عند سهمه أقوى إذ التأثير يتوجه إليه من الأطراف كلها ، وأما ما يلي الأطراف فهو أضعف ونحن في الصيف واقعون في السهم أو بقرب منه ويدوم ذلك علينا ، سكان العروض الشمالية . وفي الشتاء بحيث يقرب من المحيط ، ولذلك ما يكون الضوء في الصيف أنور مع أن المسافة من مقامنا إلى مقام الشمس في قرب أوجهها أبعد . أما نسبة هذا القرب والبعد فتبتين في الجزء النجومي من الجزء الرياضي من الحكمة . وأما تحقيق إشتداد الحر لاشتداد الضوء ، فهو يتبين في الجزء الطبيعي من الحكمة . والصيف مع أنه حار فهو أيضاً يابس لتحلل الرطوبات فيه من شدّة الحرارة ولتخلخل جوهر الهواء ومشاكلته للطبيعة النارية ولقلة ما يقع فيه من الأنداء والأمطار . والشتاء بارد رطب لضد هذه العلل . وأما الخريف فإن الحر يكون قد انتقص فيه والبرد لا يستحكم بعد ، وكأنَا قد حصلنا في الوسط من التبعد بين السهم المذكور وبين المحيط . فإذن هو قريب من الإعتدال في الحر والبرد إلا أنه غير معتدل في الرطوبة واليبوسة وكيف والشمس قد جففت الهواء ، ولم يحدث بعد من العلل المرطبة ما يقابل تجفيف العلة المجففة ، وليس الحال في التبريد كالحال في الترطيب لأن الاستحالة إلى البرودة تكون بسهولة ، والاستحالة إلى الرطوبة لا تكون بتلك السهولة . وأيضاً ليست الاستحالة إلى الرطوبة بالبرد كالاستحالة إلى الجفاف بالحر لأن الاستحالة إلى الجفاف بالحر تكون بسهولة فإن أدنى الحر يجفف . وليس أدنى البرد يرطب ، بل ربما كان أدنى الحرّ أقوى في الترطيب إذا وجد المادة من أدنى البرد فيه ، لأنّ أدنى الحر يبخر ولا يحلّل . وليس أدنى البرد يكثف ويحقن ويجمع . ولهذا ليس حال بقاء الربيع على رطوبة الشتاء كحال بقاء الخريف على يبوسة الصيف ، فإن رطوبة الربيع تعتدل بالحر في زمان لا تعتدل فيه يبوسة الخريف بالبرد ويشبه أن يكون هذا الترطيب والتجفيف شبيهاً بفعل ملكة وعدم ، لا بفعل ضدين ، لأن التجفيف في هذا الموضع ليس هو إلا إفقاد الجوهر الرطب . والترطيب ليس هو إفقاد الجوهر اليابس ، بل تحصيل الجوهر الرطب لأنا لسنا نقول في هذا الموضع هواء رطب وهواء يابس ، ونذهب فيه إلى صورته أو كيفيته الطبيعية ، بل لا نتعرض